طاهر سليمان حموده
339
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
السيوطي وعلم أصول النحو رأينا أن السيوطي قد وضع أصولا لنقد الرواية اللغوية تحاكي أصول المحدّثين وهو عمل يعد من مبتكراته ، وقد حاول تصنيف المادة اللغوية تصنيفا يضاهي تصنيف المحدثين وقد استطاع أن يتناول بالبحث النظري في أصول اللغة بعض المسائل التي لم تكن قد استقرت الاستقرار الكافي ، أو الأصول التي لم تحظ إلى ذلك الحين بأن توضع في إطار محكم منظم كما هو الحال لدى أهل الحديث . ونحن هنا بصدد محاولة رائعة قام بها السيوطي فيما يتصل بالنحو ، فقد حاول في كتابه « الاقتراح » أن يقيم بناء شامخا يمثل أصول النحو ، ويكون المنهج الذي يتبعه النحاة في استنباطهم واستقرائهم ، ومعبرا عما سلكوه في درس النحو من قبل . والواقع أن المنهج النحوي أو مجموعة القواعد والنظم التي يتبعها النحويون في الاستقراء والاستنباط ظلت إلى وقت متأخر عرفا غير مكتوب ، يلاحظه النحاة ويشيرون إلى التزامه واتباعه في عبارات قليلة مبتسرة ، ولم يعمد أحد إلى وضع هذه النظم والقواعد في إطار علم معين . والبحث في الأصول وهو يعني البحث في المناهج يأتي متأخرا بعد استقرار العرف العلمي الذي يدرج عليه أوائل الباحثين في علم من العلوم ، هكذا كان الحال في العلوم الاسلامية ، فوضع أصول الحديث إنما جاء بعد أن قامت أجيال متعاقبة من العلماء برواية الحديث والتحرج في روايته ، وكان لهم عرف ملتزم ، وعبارات متداولة لم تلبث أن أخذت تتجمع شيئا فشيئا ، حتى وضع منها المتأخرون علما في نقد الرواية .